ميرزا حسين النوري الطبرسي
22
النجم الثاقب
أن حجيت ثلاثين حجة في تلك السنة - حاجاً مشتاقاً إلى لقائه عليه السلام بصاريا فاعتللت وقد خرجنا من فيد ( 1 ) فتعلقت نفسي بشهوة السمك واللبن والتمر ، فلما وردت المدينة وافيت فيها اخواننا فبشروني بظهوره عليه السلام بصاريا فلما أشرفت على الوادي رأيت عنيزات عجافاً تدخل القصر ، فوقفت ارتقب الأمر إلى أن صليت العشاءين وأنا أدعو وأتضرّع واسأل ، وإذا ببدر الخادم يصيح بي : يا عيسى بن مهدي الجوهري الجنبلاني ادخل . فكبرت وهللت وأكثرت من حمد الله عزّ وجلّ والثناء عليه ، فلما صرت في صحن دار القصر فرأيت مائدة منصوبة فمر بي الخادم وأجلسني عليها وقال لي : مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت بعلتك وأنت خارج من فيد ، فقلت في نفسي : حسبي بهذا برهاناً ، فكيف آكل ولم أرَ سيدي ومولاي . فصاح : يا عيسى كُل من طعامي فإنك تراني . فجلست على المائدة ونظرت فإذا عليها سمك حار يفور وتمر إلى جانبه أشبه التمر بتمرنا بجنبلان وجانب التمر لبن فقلت في نفسي : عليل وسمك ولبن وتمر ، فصاح : يا عيسى ! لا تشك في أمرنا ، أفأنت أعلم بما ينفعك ويضرك ؟ فبكيت واستغفرت الله وأكلت من الجميع ، وكلما رفعت يدي لم يبن فيه موضع ، فوجدته أطيب ما ذقته في الدنيا ، فأكلت منه كثيراً حتى استحييت ، فصاح : يا عيسى ! لا تستحي فإنه من طعام الجنة لم تصنعه يد مخلوق ، فأكلت فرأيت نفسي لا تنتهي من أكله ، فقلت : يا مولاي ! حسبي ، فصاح بي : أقبل إليّ . فقلت في نفسي : ألقى مولاي ولم أغسل يدي ، فصاح بي : يا عيسى وهل لما أكلت غمر ؟ فشممت يدي فإذا هي أعطر من المسك والكافور ! فدنوت منه عليه السلام ، فبدا لي شخص ، أغشي بصري ورهبت حتى ظننت ان عقلي قد اختلط ، فقال لي : يا عيسى ما كان لكم أن تروني ، ولولا المكذبون القائلون أين هو ؟ ومتى كان ؟ وأين ولد ؟ ومن رآه ؟ وما الذي خرج إليكم منه ؟ وبأي شيء انبأكم ؟ وأي معجزة أراكم ؟
--> 1 - قال المؤلف رحمه الله : " قلعة في مكة " .